
في زمن عزّت فيه النماذج الملهمة، يبرز الدكتور محمد محمود ولد جلال الطلبة، رئيس الجالية الموريتانية في دولة الكويت، كرمز يُحتذى به في العطاء، وواجهة مشرفة للجالية في بلاد الغربة. فمنذ تسلمه رئاسة مكتب الجالية، وهو يرسم بخطى ثابتة معالم أداء مختلف عن المعتاد، أداء يستمد جذوره من قيم الإيثار وروح المسؤولية الوطنية الصادقة.
لم تكن رئاسته للجالية منصبًا بروتوكوليًا عابرًا، بل تحولت إلى منصة نضال يومي من أجل الكرامة الموريتانية في الخارج، ومنبر ناصع لإيصال صوت الجالية، والدفاع عن حقوقها، والعمل الدؤوب من أجل تعزيز وحدتها وتماسكها. لقد استطاع الدكتور ولد جلال الطلبة أن يعيد تعريف العمل الجمعوي في المهجر، من خلال فلسفة قوامها الإصغاء لهموم الناس، والتحرك الفوري لخدمة الصالح العام، والانفتاح على كل الطيف المجتمعي دون استثناء.
ومن أبرز ما يميزه، التوجه الإنساني العميق الذي أضفاه على نشاط الجالية. فلم يتردد في مدّ يد العون إلى الطلاب والتلاميذ المحتاجين، مستشعرًا أن التعليم هو السبيل الأضمن لتغيير واقع الإنسان. لقد كرّم في مناسبات متعددة متفوقين من أبناء الوطن، من بينهم فاطمة صمب اعليوات، التي واجهت ظروفًا مادية قاسية ولم تمنعها من حصد النجاح في امتحان الباكلوريا؛ فكان تكريمه لها أكثر من جائزة، بل هو اعتراف بأهمية الكفاح والإصرار، ورسالة أمل إلى آلاف غيرها بأنّ الجهد لا يضيع سدى. ثم لم تمر أشهر حتى كرّم الطالب محمد الأمين محمد محفوظ أمبارك، مقدّمًا له دعمًا مادّيًا سخيًا، ومتعهدًا بمواكبته خلال مسيرته الجامعية، في موقف يعكس عمق إيمانه بقيم التحفيز والتمكين.
لا تتوقف مبادراته عند حدود الجالية في الكويت، بل تمتد أياديه البيضاء إلى الداخل الموريتاني، حيث يسهم بصمت في دعم المشاريع التربوية والاجتماعية، وخاصة في المناطق الهشة والمحرومة. تلك المبادرات، وإن لم يُسلَّط عليها الإعلام الأضواء كثيرًا، إلا أن أثرها في الواقع باقٍ لا يُمحى، لأنها تنبع من ضمير حي، لا يسعى وراء الشهرة بل يطمح إلى الأثر.
كما عُرف الرجل بقدرته على توحيد الصف وجمع الكلمة، حيث عقد العديد من اللقاءات مع وجهاء وممثلين عن ولايات موريتانية مختلفة، في إطار حرصه على خلق مناخ من التشاور والتكامل داخل الجالية، وتكريس ثقافة الانتماء المشترك، بعيدًا عن التجاذبات والانقسامات التي قد تضعف أي جسم مجتمعي في الخارج.
وفي الفضاء الدبلوماسي والثقافي، مثّل الدكتور ولد جلال الطلبة الجالية في مناسبات رسمية، من بينها اليوم الإفريقي بالكويت، حيث ظهر بحضور لافت يعكس حرصه على ترسيخ صورة الجالية كعنصر فاعل ضمن النسيج المجتمعي والدبلوماسي للبلد المضيف. وقد نجح في تحويل الجالية من كيان إداري جامد إلى شريك حقيقي في الفعل الثقافي، بما يليق بتاريخ موريتانيا ومكانة أبنائها.
إنّ ما يقوم به هذا الرجل من جهود متواصلة، يتجاوز حدود الواجب، ويندرج ضمن مشروعات البناء الوطني في المهجر. وهو بذلك لا يعبّر فقط عن نجاح فردي، بل يرمز إلى نهوض جيل جديد من أبناء الجاليات، يربطون بين انتمائهم لوطنهم الأم وإحساسهم بمسؤولياتهم حيث يقيمون، في صورة قلّما نجدها بهذا النقاء والصدق.
ولعل من واجبنا، كإعلاميين ومهتمين بالشأن العام، أن نسلط الضوء على هذه النماذج، لأنها تشكل رصيدًا أخلاقيًا وإنسانيًا للأمة، ولأن مثل هؤلاء الرجال، حين يعملون بصمت ويؤثرون بعمق، يُسهمون أكثر من غيرهم في رفعة الأوطان وتعزيز هيبتها في الخارج.
في الختام، يبقى الدكتور محمد محمود ولد جلال الطلبة واحدًا من أولئك الذين لا يُعرفون بكثرة الكلام، بل بعظمة الأثر. رجل يجمع بين الفكر والسلوك، بين العطاء والإيمان بالوطن، بين التواضع والطموح لخدمة الآخرين. ولعل اسمه سيظل محفورًا في ذاكرة الجالية الموريتانية في الكويت، باعتباره قائدًا استثنائيًا جمع حوله القلوب قبل أن يُنتخب بالإجماع.
بقلم: أحمد محمد المختار
نواكشوط – أغسطس 2025